فصل: تفسير الآية رقم (207):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (204):

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (204)}
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} لما ذكر الذين قصرت همتهم على الدنيا- في قوله: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا}- والمؤمنين الذين سألوا خير الدارين ذكر المنافقين، لأنهم أظهروا الايمان وأسروا الكفر. قال السدى وغيره من المفسرين: نزلت في الأخنس بن شريق، واسمه أبى، والأخنس لقب لقب به، لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من حلفائه من بنى زهرة عن قتال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، على ما يأتي في آل عمران بيانه. وكان رجلا حلو القول والمنظر، فجاء بعد ذلك إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأظهر الإسلام وقال: الله يعلم أنى صادق، ثم هرب بعد ذلك، فمر بزرع لقوم من المسلمين وبحمر فأحرق الزرع وعقر الحمر. قال المهدوي: وفيه نزلت {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} و{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ}. قال ابن عطية: ما ثبت قط أن الأخنس أسلم.
وقال ابن عباس: نزلت في قوم من المنافقين تكلموا في الذين قتلوا في غزوة الرجيع: عاصم بن ثابت، وخبيب، وغيرهم، وقالوا: ويح هؤلاء القوم، لا هم قعدوا في بيوتهم، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم، فنزلت هذه الآية في صفات المنافقين، ثم ذكر المستشهدين في غزوة الرجيع في قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ}.
وقال قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء: نزلت في كل مبطن كفرا أو نفاقا أو كذبا أو إضرارا، وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك، فهي عامة، وهى تشبه ما ورد في الترمذي أن في بعض كتب الله تعالى: إن من عباد الله قوما ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، يشترون الدنيا بالدين، يقول الله تعالى: أبى يغترون، وعلى يجترءون، فبى حلفت لأتيحن لهم فتنة تدع الحليم منهم حيران. ومعنى: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ} أي يقول: الله يعلم أنى أقول حقا. وقرأ ابن محيصن {ويشهد الله على ما في قلبه} بفتح الياء والهاء في يشهد {الله} بالرفع، والمعنى يعجبك قوله، والله يعلم منه خلاف ما قال. دليله قوله: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ}. وقراءة ابن عباس: {والله يشهد على ما في قلبه}. وقراءة الجماعة أبلغ في الذم، لأنه قوى على نفسه التزام الكلام الحسن، ثم ظهر من باطنه خلافه. وقرأ أبيّ وابن مسعود {ويستشهد الله على ما في قلبه} وهي حجة لقراءة الجماعة.
الثانية: قال علماؤنا: وفى هذه الآية دليل وتنبيه على الاحتياط فيما يتعلق بأمور الدين والدنيا، واستبراء أحوال الشهود والقضاة، وأن الحاكم لا يعمل على ظاهر أحوال الناس وما يبدو من إيمانهم وصلاحهم حتى يبحث عن باطنهم، لأن الله تعالى بين أحوال الناس، وأن منهم من يظهر قولا جميلا وهو ينوي قبيحا. فإن قيل: هذا يعارضه قوله عليه السلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» الحديث، وقوله: «فأقضي له على نحو ما أسمع» فالجواب أن هذا كان في صدر الإسلام، حيث كان إسلامهم سلامتهم، وأما وقد عم الفساد فلا، قاله ابن العربي.
قلت: والصحيح أن الظاهر يعمل عليه حتى يتبين خلافه، لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صحيح البخاري: أيها الناس، إن الوحى قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شي، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نؤمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة.
الثالثة: قوله تعالى: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ} الألد: الشديد الخصومة، وهو رجل ألد، وامرأة لداء، وهم أهل لدد. وقد لددت- بكسر الدال- تلد- بالفتح- لددا، أي صرت ألد. ولددته- بفتح الدال- ألده- بضمها- إذا جادلته فغلبته. والألد مشتق من اللديدين، وهما صفحتا العنق، أي في أي جانب أخذ من الخصومة غلب. قال الشاعر:
وألدّ ذي حنق عليّ كأنما ** تغلي عداوة صدره في مرجل

وقال آخر:
إن تحت التراب عزما وحزما ** وخصيما ألدّ ذا مغلاق

و{الخصام} في الآية مصدر خاصم، قاله الخليل.
وقيل: جمع خصم، قاله الزجاج، ككلب وكلاب، وصعب وصعاب، وضخم وضخام. والمعنى أشد المخاصمين خصومة، أي هو ذو جدال، إذا كلمك وراجعك رأيت لكلامه طلاوة وباطنه باطل. وهذا يدل على أن الجدال لا يجوز إلا بما ظاهره وباطنه سواء.
وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم».

.تفسير الآية رقم (205):

{وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (205)}
وقوله تعالى: {وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها} قيل: {تَوَلَّى وسَعى} من فعل القلب، فيجيء {تَوَلَّى} بمعنى ضل وغضب وأنف في نفسه. و{سَعى} أي سعى بحيلته وإرادته الدوائر على الإسلام واهلة، عن ابن جريج وغيره.
وقيل: هما فعل الشخص، فيجيء {تَوَلَّى} بمعنى أدبر وذهب عنك يا محمد. و{سَعى} أي بقدميه فقطع الطريق وأفسدها، عن ابن عباس وغيره. وكلا السعيين فساد. يقال: سعى الرجل يسعى سعيا، أي عدا، وكذلك إذا عمل وكسب. وفلان يسعى على عياله أي يعمل في نفعهم. قوله تعالى: {وَيُهْلِكَ} عطف على ليفسد. وفى قراءة أبى {وليهلك}. وقرأ الحسن وقتادة {ويهلك} بالرفع، وفى رفعه أقوال: يكون معطوفا على {يُعْجِبُكَ}.
وقال أبو حاتم: هو معطوف على {سَعى} لان معناه يسعى ويهلك، وقال أبو إسحاق: وهو يهلك.
وروى عن ابن كثير {ويهلك} بفتح الياء وضم الكاف، {الحرث والنسل} مرفوعان بيهلك، وهى قراءة الحسن وابن أبى إسحاق وأبى حيوة وابن محيصن، ورواه عبد الوارث عن أبى عمرو. وقرأ قوم {ويهلك} بفتح الياء واللام، ورفع الحرث، لغة هلك يهلك، مثل ركن يركن، وأبى يأبى، وسلى يسلى، وقلى يقلى، وشبهه. والمعنى في الآية الأخنس في إحراقه الزرع وقتله الحمر، قاله الطبري. قال غيره: ولكنها صارت عامة لجميع الناس، فمن عمل مثل عمله استوجب تلك اللعنة والعقوبة. قال بعض العلماء: إن من يقتل حمارا أو يحرق كدسا استوجب الملامة، ولحقه الشين إلى يوم القيامة.
وقال مجاهد: المراد أن الظالم يفسد في الأرض فيمسك الله المطر فيهلك الحرث والنسل.
وقيل: الحرث النساء، والنسل الأولاد، وهذا لان النفاق يؤدى إلى تفريق الكلمة ووقوع القتال، وفيه هلاك الخلق، قال معناه الزجاج. والسعى في الأرض المشي بسرعة، وهذه عبارة عن إيقاع الفتنة والتضريب بين الناس، والله أعلم. وفى الحديث: «إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده». وسيأتي بيان هذا إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} الحرث في اللغة: الشق، ومنه المحراث لما يشق به الأرض. والحرث: كسب المال وجمعه، وفى الحديث: «أحرث لدنياك كأنك تعيش أبدا». والحرث الزرع. والحراث الزراع. وقد حرث واحترث، مثل زرع وازدرع ويقال: أحرث القرآن، أي ادرسه. وحرثت الناقة وأحرثتها، أي سرت عليها حتى هزلت وحرثت النار حركتها. والمحراث: ما يحرك به نار التنور، عن الجوهري. والنسل: ما خرج من كل أنثى من ولد. وأصله الخروج والسقوط، ومنه نسل الشعر، وريش الطائر، والمستقبل ينسل، ومنه: {إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ}، {مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ}.
وقال امرؤ القيس:
فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل

قلت: ودلت الآية على الحرث وزراعة الأرض، وغرسها بالأشجار حملا على الزرع، وطلب النسل، وهو. نماء الحيوان، وبذلك يتم قوام الإنسان. وهو يرد على من قال بترك الأسباب، وسيأتي بيانه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ} قال العباس بن الفضل: الفساد هو الخراب.
وقال سعيد بن المسيب: قطع الدراهم من الفساد في الأرض.
وقال عطاء: إن رجلا كان يقال له عطاء بن منبه أحرم في جبة فأمره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ينزعها. قال قتادة قلت لعطاء: إنا كنا نسمع أن يشقها، فقال عطاء: إن الله لا يحب الفساد.
قلت: والآية بعمومها تعم كل فساد كان في أرض أو مال أو دين، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. قيل: معنى لا يحب الفساد أي لا يحبه من أهل الصلاح، أو لا يحبه دينا. ويحتمل أن يكون المعنى لا يأمر به، والله أعلم.

.تفسير الآية رقم (206):

{وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (206)}
هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوا، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في بعض هذا.
وقال عبد الله: كفى بالمرء إثما أن يقول له أخوه: اتق الله، فيقول: عليك بنفسك، مثلك يوصيني! والعزة: القوة والغلبة، من عزه يعزه إذا غلبه. ومنه: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ} وقيل: العزة هنا الحمية، ومنه قول الشاعر:
أخذته عزة من جهله ** فتولى مغضبا فعل الضجر

وقيل: العزة هنا المنعة وشدة النفس، أي اعتز في نفسه وانتحى فأوقعته تلك العزة في الإثم حين أخذته وألزمته إياه.
وقال قتادة: المعنى إذا قيل له مهلا ازداد إقداما على المعصية، والمعنى حملته العزة على الإثم.
وقيل: أخذته العزة بما يؤثمه، أي ارتكب الكفر للعزة وحمية الجاهلية. ونظيره: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ} وقيل: الباء في: {بِالْإِثْمِ} بمعنى اللام، أي أخذته العزة والحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه، وهو النفاق، ومنه قول عنترة يصف عرق الناقة:
وكان ربا أو كحيلا معقدا ** حش الوقود به جوانب قمقم

أي حش الوقود له.
وقيل: الباء بمعنى مع، أي أخذته العزة مع الإثم، فمعنى الباء يختلف بحسب التأويلات. وذكر أن يهوديا كانت له حاجة عند هارون الرشيد، فاختلف إلى بابه سنة، فلم يقض حاجته، فوقف يوما على الباب، فلما خرج هارون سعى حتى وقف بين يديه وقال: اتق الله يا أمير المؤمنين! فنزل هارون عن دابته وخر ساجدا، فلما رفع رأسه أمر بحاجته فقضيت، فلما رجع قيل له: يا أمير المؤمنين، نزلت عن دابتك لقول يهودي! قال: لا، ولكن تذكرت قول الله تعالى: {وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ}. حسبه أي كافيه معاقبة وجزاء، كما تقول للرجل: كفاك ما حل بك! وأنت تستعظم وتعظم عليه ما حل. والمهاد جمع المهد، وهو الموضع المهيأ للنوم، ومنه مهد الصبى.
وسمي جهنم مهادا لأنها مستقر الكفار.
وقيل: لأنها بدل لهم من المهاد، كقوله: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ} ونظيره من الكلام قولهم:
تحية بينهم ضرب وجيع

.تفسير الآية رقم (207):

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (207)}
ابْتِغاءَ نصب على المفعول من أجله. ولما ذكر صنيع المنافقين ذكر بعده صنيع المؤمنين. قيل: نزلت في صهيب فإنه أقبل مهاجرا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانتثل ما في كنانته، واخذ قوسه، وقال: لقد علمتم أنى من أرماكم، وأيم الله لا تصلون إلى حتى أرمى بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شي، ثم افعلوا ما شئتم. فقالوا: لا نتركك تذهب عنا غنيا وقد جئتنا صعلوكا، ولكن دلنا على مالك بمكة ونخلى عنك، وعاهدوه على ذلك ففعل، فلما قدم على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نزلت: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ} الآية، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «ربح البيع أبا يحيى»، وتلا عليه الآية، أخرجه رزين، وقاله سعيد بن المسيب رضي الله عنهما.
وقال المفسرون: أخذ المشركون صهيبا فعذبوه، فقال لهم صهيب: إنى شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالى وتذروني وديني؟ ففعلوا ذلك، وكان شرط عليهم راحلة ونفقة، فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ورجال، فقال له أبو بكر: ربح بيعك أبا يحيى. فقال له صهيب: وبيعك فلا يخسر، فما ذاك؟ فقال: أنزل الله فيك كذا، وقرأ عليه الآية.
وقال الحسن: أتدرون فيمن نزلت هذه الآية، نزلت في المسلم لقى الكافر فقال له: قل لا إله إلا الله، فإذا قلتها عصمت مالك ونفسك، فأبى أن يقولها، فقال المسلم: والله لاشرين نفسي لله، فتقدم فقاتل حتى قتل.
وقيل: نزلت فيمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وعلى ذلك تأولها عمر وعلى وابن عباس رضي الله عنهم، قال على وابن عباس: اقتتل الرجلان، أي قال المغير للمفسد: اتق الله، فأبى المفسد وأخذته العزة، فشرى المغير نفسه من الله وقاتله فاقتتلا.
وقال أبو الخليل: سمع عمر بن الخطاب إنسانا يقرأ هذه الآية، فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون، قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل.
وقيل: إن عمر سمع ابن عباس يقول: اقتتل الرجلان عند قراءة القارئ هذه الآية، فسأله عما قال ففسر له هذا التفسير، فقال له عمر، لله تلادك يا ابن عباس! وقيل: نزلت فيمن يقتحم القتال. حمل هشام بن عامر على الصف في القسطنطينية فقاتل حتى قتل، فقرأ أبو هريرة {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ}، ومثله عن أبى أيوب.
وقيل: نزلت في شهداء غزوة الرجيع.
وقال قتادة: هم المهاجرون والأنصار.
وقيل: نزلت في على رضي الله عنه حين تركه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على فراشه ليلة خرج إلى الغار، على ما يأتي بيانه في براءة إن شاء الله تعالى.
وقيل: الآية عامة، تتناول كل مجاهد في سبيل الله، أو مستشهد في ذاته أو مغير منكر. وقد تقدم حكم من حمل على الصف، ويأتي ذكر المغير للمنكر وشروطه وأحكامه في آل عمران إن شاء الله تعالى. و{يَشْرِي} معناه يبيع، ومنه: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} أي باعوه، وأصله الاستبدال، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}. ومنه قول الشاعر:
وإن كان ريب الدهر أمضاك في الأولى ** شروا هذه الدنيا بجناته الخلد

وقال آخر:
وشريت بردا ليتني ** من بعد برد كنت هامه

البرد هنا اسم غلام.
وقال آخر:
يعطى بها ثمنا فيمنعها ** ويقول صاحبها ألا فأشر

وبيع النفس هنا هو بذلها لأوامر الله. {ابْتِغاءَ} مفعول من أجله. ووقف الكسائي على {مَرْضاتِ} بالتاء، والباقون بالهاء. قال أبو على: وقف الكسائي بالتاء إما على لغة من يقول: طلحت وعلقمت، ومنه قول الشاعر:
بل جوز تيهاء كظهر الحجفت

وإما أنه لما كان هذا المضاف إليه في ضمن اللفظة ولا بد أثبت التاء كما ثبتت في الوصل ليعلم أن المضاف إليه مراد. والمرضاة الرضا، يقال: رضى يرضى رضا ومرضاة.
وحكى قوم أنه يقال: شرى بمعنى اشترى، ويحتاج إلى هذا من تأول الآية في صهيب، لأنه اشترى نفسه بماله ولم يبعها، اللهم إلا أن يقال: إن عرض صهيب على قتالهم بيع لنفسه من الله. فيستقيم اللفظ على معنى باع.